العائلة التي ذهبت، تركت أشياءً كثيرة جدًا، كلما جلست أمامها وأخبرت نفسي بضرورة التخلص منها لا أستطيع. لا أعتقد أنهم وهم يكتبون كل هذه الأوراق كانوا يعرفون أنهم سيرحلوا بهذه السرعة وتقريبًا دفعة واحدة.
كتابة الخطابات ميراث ضخم في العائلة وتقليد اتبعوه منذ زمن. جدي لأمي يحترف كتابة الخطابات لأخوته وأبنائه بكلمات غاية في الفخامة والرصانة ومملؤة بحب غزير، أعتادت جدتي بدورها أن تستعير الصيغ التي يؤلفها لتكتب بها خطابات إلى أخوتها. في تلك السنوات القديمة كانت المدرسات يكتبن ملاحظات في الشهادة الدراسية ويكون على ولي الأمر أن يوقع عليها، فكان جدي يعقب بكلماته المميزة، مثل: “مع شكري الخالص إليكم لهذا الإخلاص الوفي نحو اهتمامكم بنجلتي وذلك لما لاحظته من تقدير كبير”.
تتسرب الكلمات لأمي، فتقتني أوتوجرافًا صغيرًا لتكتب الصديقات كلمات للذكرى، ثم تبدأ هي بنفسها كتابة بضعة أيام للذكرى على هيئة مذكرات، وأخيرًا تمارس كتابة الخطابات.
كانت تعد أمي من كل الخطابات نسختين، واحدة ترسلها لمن تريد والأخرى تحتفظ بها، تبدأ بعضها بتحية طيبة وبعد، وبعضها بمودة توجهها لصديقاتها، أو تتلقى ما يبثوه لها من حب وحنين وغربة.
مسار هذه المرأة الجميلة ستحدده جملة أوراق أستخرجها من الدرج من ظرف ترك الوقت علاماته عليه. الظرف مملوء بصيغ رسمية وأختام بالإضافة لأوراق طبية ووثائق بنكية وبضعة عقود وفواتي






















